نهاية الردع: حين يسقط الحصن النفسي قبل العسكري
سعيد لكبوري
منذ تأسيسها، بَنَت إسرائيل عقيدتها الأمنية على ثلاثة أعمدة: التفوق العسكري، وضمان الدعم الغربي غير المشروط، وتكريس صورة "القلعة التي لا تُقهر". لكن الأحداث الأخيرة، والتي تمثلت في الضربات الإيرانية الفرط صوتية التي استهدفت مواقع استراتيجية في عمق حيفا وتل أبيب، تكشف عن اختلال واضح في هذه الأعمدة، وتحديدًا في مفهوم الردع.
الردع، في جوهره، ليس سلاحًا ولا نظام دفاع، بل هو تصور في عقل العدو: أن تكلفة الهجوم على إسرائيل ستكون باهظة إلى درجة تمنعه من المحاولة. غير أن هذا التصور بدأ يتلاشى، ليس فقط لدى خصومها الإقليميين، بل حتى داخل الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي بدأت تفقد ثقتها بمنظومات الدفاع المتطورة التي تم الترويج لها على مدى عقود، من "القبة الحديدية" إلى "مقلاع داوود" و"حيتس".
الضربة الإيرانية: السلاح الذي تجاوز الصوت وتجاوز الردع
استخدمت إيران صواريخ فرط صوتية – وهي أسلحة تتجاوز سرعة الصوت بأكثر من خمس مرات، وتملك قدرة على المناورة تجعل اعتراضها شبه مستحيل بالوسائل التقليدية. نجاح هذه الصواريخ في تجاوز المنظومات الدفاعية الإسرائيلية واستهداف مواقع حيوية، لا يُعد مجرد نجاح عسكري، بل تحطيمًا للقدرة النفسية الردعية التي طالما شكلت جوهر السياسات الإسرائيلية.
تفوق دفاعي يتآكل أمام عقل هجومي جديد
في الماضي، كانت إسرائيل تبادر بالهجوم لمنع التهديد من الاقتراب، وراهنت على عامل الوقت والمسافة. لكن أمام خصم مثل إيران – بقدرات صاروخية دقيقة، وتجربة في الحروب غير المتناظرة، وتمدد إقليمي عبر أذرع عسكرية متعددة – أصبحت المبادرة الهجومية الإسرائيلية تعاني من العقم الاستراتيجي. فإسرائيل تضرب، لكن الرد يأتي هذه المرة بقوة، وبتقنيات لا يمكن صدها بسهولة.
الجبهة الداخلية الإسرائيلية: من الثقة إلى الذعر
حين تُصاب تل أبيب أو حيفا دون إنذار، وتخترق الصواريخ عمق العمق، تتحول المدن إلى جبهات، ويبدأ المواطن الإسرائيلي في طرح أسئلة الوجود لا المواقف. وإذا تراجعت الثقة الشعبية في قدرة الجيش على الحماية، فذلك يعني انهيار أحد أعمدة الردع: الحصن النفسي.
مشهد ما بعد الردع: معادلة جديدة تتشكل
إن ما يحدث اليوم ليس فقط فشلًا دفاعيًا أمام سلاح جديد، بل هو بداية انتقال إلى مشهد استراتيجي جديد في المنطقة:
- الردع الإسرائيلي لم يعد مطلقًا.
- المبادرة لم تعد حكرًا على تل أبيب.
- الخصوم لم يعودوا في موقع دفاعي بائس، بل صاروا فاعلين مؤثرين على معادلات الصراع.
لقد تغير الزمن، وتغيرت الساحات، والأهم: تغيّر الخوف من إسرائيل.
التحول الجيوسياسي: حين يتعثر الابن المدلل
لم تكن إسرائيل في يوم من الأيام دولة "عادية" ضمن منظومة التحالفات الغربية. لقد كانت – ولا تزال – الابن المدلل للغرب، وتحديدًا للولايات المتحدة، باعتبارها القاعدة المتقدمة للمصالح الغربية في قلب الشرق الأوسط. وقد ضُمنت هذه المكانة بالمال، والسلاح، والتغطية الدبلوماسية، بل وبالفيتو الأممي متى اقتضى الأمر. لكن، ما الذي يحدث عندما يعجز هذا "الابن" عن الوقوف على قدميه؟
أميركا والحلفاء: بين الإنقاذ والتوريط
تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم أمام مأزق استراتيجي مزدوج:
1. إنقاذ إسرائيل من الانهيار الردعي، عبر تسريع الدعم العسكري والدفاعي، وربما الانخراط المباشر في المواجهة.
2. تفادي التورط في حرب إقليمية مفتوحة لا تملك واشنطن أي شهية لخوضها، خاصة بعد انسحابها التدريجي من مستنقعات الشرق الأوسط، وتوجهها نحو أولويات كبرى في المحيطين الهندي والهادئ.
إن الرد الإيراني الناجح، بصواريخه الفرط صوتية ومنظومات دفاعه المضادة للطائرات، قد كسر أحد أهم "القواعد الذهبية" في السياسة الأمريكية:
أن إسرائيل لا تُهزم، ولا تُخترق، ولا تُهان.
وهذا ما يُربك البيت الأبيض والبنتاغون، ويجعل من خطاب الدعم العلني مجرد غطاء هش لحالة من القلق العميق داخل أروقة القرار الأميركي.
أوروبا: ارتباك الحلفاء في ظل التغيرات السريعة
أما العواصم الأوروبية، التي طالما سارت على نهج واشنطن، فتعاني اليوم من أزمة ثقة استراتيجية. فهي بين رغبة في احتواء التصعيد وضرورة الحفاظ على توازنات الطاقة والأمن، خصوصًا مع الارتباط الوثيق بإيران عبر قنوات التجارة والملف النووي. الردع الإيراني الفعّال خلق معادلة جديدة لا يمكن التعامل معها بمنطق الانحياز الأوتوماتيكي لإسرائيل.
في الخلاصة: زلزال في بنية الردع... وتصدع في الجغرافيا السياسية
لقد سقط وهم "القبة التي لا تُخترق"، وظهر أن التفوق التكنولوجي لا يصمد أمام عقيدة عسكرية هجومية، وصبر استراتيجي طويل النفس، وإيمان عميق بالتحول التاريخي.
السؤال الآن ليس: هل ستتدخل أميركا لإنقاذ إسرائيل؟ بل:
هل تستطيع إنقاذ إسرائيل من نفسها ومن الزمن الجديد؟
ذلك أن الردع لا يعود فقط بالقنابل، بل يولد من توازن الخوف. واليوم، ولأول مرة منذ عقود، أصبحت إسرائيل تخاف.