آخر الأخبار :
http://unfccc.int/files/meetings/marrakech_nov_2016/application/pdf/overview_schedule_marrakech.pdf

دور الأولياء و الصلحاء في التخفيف من وطأة الأزمات الطبيعية في القرن 16م

قد وافق مناخ هذه الفترة إحدى دوراته التي اتسمت بالجفاف في اغلب مراحلها جل المناطق إن لم نقل كلها. ولاشك أن مظاهر ذلك القحط كان أكثر قسوة وتنفيرا في ذلك التاريخ ، حتى كان الناس لا يملكون ما يمكنهم من محاولة تكييف بيئتهم الطبيعية لحاجاتهم ، وبالتالي ما يصاحب الجفاف من جوع وأوبئة قاتلة وقد بلغ الأمر بالمغاربة مبلغا حدا بهم تفسير الجفاف وعواقبه بغضب إلهي لا مرد له جزاء ما اقترفوه من ذنوب وآتام . ودفع البعض إلى القول بأن تاريخ تلك الفترة بأكمله كان يرادف الجغرافية إن لم نقل المناخ ، أي أنهم حاولوا تفسير مظاهر تاريخ القرن 16م في ضوء عامل واحد هو العامل المناخي –الموبوء- ، وإذا كان من الصعب الإلمام بهذا الرأي الأحادي ، الأحرى أن نأخذه بعين الاعتبار نظرا لأهميته القصوى . لم يكن غريبا في ظل هذه الظروف القاسية أن يتطلع المنكوبين إلى المنقدين.
إن الظاهرة الأوليائية وتجدرها في تربية المجتمع المغربي ، كان نتاجا محليا داخليا أفرزه الواقع المعاش ، أي أن استفحالها جاء كتعبير على الواقع المادي المتأزم –المأساوي- الذي عرفه المجتمع المغربي خلال القرن 16م ، وهموم المغاربة وصراعهم من أجل الحياة ، وكتعبير بالتالي عن العقلية المغربية ، التي اختارت التصوف كحل للهروب من ذلك الواقع المعاش ، والخلاص من شبح الخوف والفناء … ومعناه أن استفحال ظاهرة الولاية في هذا التاريخ كانت انعكاس لظاهرة الأزمة وخطورتها
و قام الأولياء بعدة وظائف لمساعدة المغاربة على تخطي واقعهم المأساوي منها :
تطبيب المصابين : لقد كان لانتشار الأمراض والأوبئة القاتلة التي عمت أرجاء المدن بدون استثناء ، ومست جميع أفراد المجتمع المغربي عوامه وأشرافه ، والتي كانت لا تعالج وخاصة في البوادي ، إلا بما توارثه الأبناء عن آبائهم وأجدادهم من أنواع "تطبيب" قليل الجدوى عديم الفائدة فكان حتما والحالة هذه أن يتوجه المرضى والمبوؤون إلى رجالات الله الصالحين أمواتا أو أحياء ليستشفوا بركاتهم أو تراب قبورهم حفاظا منهم على سلامة أجسامهم وأرواحهم. وفي هذا الصدد تقدم لنا كتب سير الصالحين صورا كثيرة على هذا النوع يظهر من خلالها الولي بمثابة "الطبيب العام" لكل أنواع الجروح والقروح. والأوبئة والإصابات مهما اختلفت أنواعها ، وتعقدت وتنوعت أشكالها. غير أنه ونظرا لكثرة الأولياء وتنوع الأمراض ، نشأ نوع من التخصص في قدرات الأولياء على الإتيان بكرمات من أنواع معينة ، فلكل شيخ مرض يشفيه … فسيدي بوكرين اليازغي (نواحي صفرو) يشفي من الجدام . سيدي علي المشهور بأبي غالب (نزيل فاس) يزوره مرضى الجروح والقروح . ولم يقتصر الولي على إبراء العاهات الظاهرية وإنما تعداها إلى ممارسة وظيفة الطب النفسي في مجتمع عان أهله كثيرا من هول الأرواح ، ولا عجب في ذلك وقد كان الولي يتمتع بقدرة الخوارق على التحكم في جميع القوى الظاهرية. وقد يتساءل البعض : هل نجح الأولياء في أداء مهمة "الطبيب" فعلا أو بالأحرى هل تمكنوا من محاربة الأمراض والأوبئة ومن تم القضاء عليها ؟. يبدو أنه من اللامشروع أن يطرح مثل هذا التساؤل ، كما أن الإجابة عنه بإحدى الكلمتين : نعم أو لا ستكون مغلوطة مثل هذا السؤال ، فالطب الحديث وحتى في وقتنا الحاضر ما يزال عاجزا عن استئصال أورمة كثير من الأمراض الفتاكة (السرطان مثلا). لكنه نافع ، ونافع جدا ، ولن يستطيع أحد أن يقلل من شأنه ، أما الولي ما كان بإمكانه أن يحارب الوباء والطاعون ، بل كم من ولي ذهب ضحية هذا أو ذاك ، وهو أيضا لم يوظف نفسه من تلقاء نفسه لهذه المهمة ، وإنما الذي أسند له القيام بهذه الوظيفة هو المجتمع الذي لم يجد من طبيب يشفى أمراضه ووساوسه سواه. والولي من هذا المنظور لم تكن ثقة الناس به وبوصفاته الطبية غير ذي عبرة ، إذ غالبا ما كان المريض يعقد النية مسبقا على أنه سيجد الشفاء في ضريح ولي ، وربما وجده فعلا ، ولكن لكونها ذا ارتباط وثيق بالشعور الباطني لدى الإنسان . ذلك الشعور الذي ينمو كلما انعدمت الحيلة أمام المصاب أو المعلول … ومعناه أن المغربي هو الذي جعل من الولي طبيبا ، وجعل من ضريحه مستشفى أو مارستانا .
مساهمة الأولياء في صلاة الاستسقاء : إن المتتبع لتفاصيل السلوك الاجتماعي على المستوى الفردي ومستوى الجماعات في مغرب القرن 16م ، يجد الأمثلة العديدة التي توحي بأن المغاربة كانوا ينظرون إلى الجفاف ، باعتباره قضاء ارتضته القدرة الإلهية لهم على ما اقترفوه من ذنوب ، انطلاقا من هذا التصور الغيبي ، فإن القلق الأساسي الذي ينتاب الناس هو أن اختلالا ما طرأ على المجرى العادي للأمور ، وهذا يعني أن الكارثة لا تنزل فجأة من السماء ، وإنما هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بأعمال الناس ، فلئن كانت تعزى إلى القدرة الإلهية الجبارة ، فإنها كانت تعتبر أيضا عقابا للإنسان إلى شروره وتنكبه عن الطريق السوي والسنة المحمدية . ويتبلور هذا الموقف مع التعليل الذي يقدمه بن عباد لأحد القحوط الذي ألم بالمغرب بعد الطاعون الأسود لما يقول : "إن الذي ينافي لاستسقى إنما هو المنكرات التي يفعلها عوام الناس والرعية ولا أحتاج إلى ذكرها لكثرتها فيكون ما أصيبوا به من القحط عقوبة لهم أو تأديبا على ما صنعوا من ذلك" . لم يكن هذا التصور خاصا بالفقهاء أو بعامة الناس ، بل نجده بارزا في خطاب السلاطين والحكام ، ففي المرسوم الذي ألغى به المولى سليمان المواسم ، نرى السلطان يقيم علاقة مباشرة بين انتشار المناكر ونزول المصائب : "إن البدع والمناكر إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم ، وأظلم ما بينهم وبين ربهم ، وانقطعت عنهم الرحمات ، ووقعت العلات ، وشحت السماء وسبحت النقماء ، وفيض الماء واستولت الأعداء وانتشر الداء وجفت الضروع ، ونقصت بركة الزروع لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد ويسد طريق المنافذ" . غير أنه إلى جانب هذا التفسير الغيبي ، ثمة بعض التفسيرات التي انطلقت من حيثيات سياسية ، يمكن أن نسجل في هذا الصدد ما أورده الناصري في كتابه : "وفي سنة سبع وثمانين وتسعمائة وقع غلاء عظيم بالمغرب حتى عرف ذلك بعام "البقول" ، قال في المرآة : "لما انتهب الناس غنيمة واد المخازن كان الناس يتوقعون مغبتها لاختلاط الأموال بالحرام فظهر أثر ذلك من غلاء وغيره وكنا نسمع أن البركة رفعت من الأموال يومئذ" . ولعل هذا التخيل كان نابعا من انعدام أو قلة أدوات الصراع لدى المغاربة ، بحكم هيمنة الأفكار الدينية بالإضافة إلى التقارير القائمة على الاستسلام والتوكل على ما تجود به السماء ولما كانت الرحمة منحة من الله لعباده ، كان أسهل الطرق للفوز بها هو الاتجاه إلى الأدعية باعتبارها الوسيلة الوحيدة المتاحة للجماهير في صراعها من أجل البقاء ولذلك أصبح الدعاء جزءا من العقلية الاجتماعية يستعمل لمواجهة الكوارث واستجداء الرحمات ، وأصبح من العوائد التلقائية أن يخرج الناس إلى الدعاء كلما تأخر نزول المطر ، ولما كان المغاربة يخشون عدم الاستجابة شعورا منهم بالنقص الناجم عن إيمانهم لما ارتكبوه من الفواحش ، حرس الناس على الاجتماع والتوجه إلى الله طلبا للرحمة . "ولكي تكون لهذه الصلاة قيمة خاصة وفعالية كبيرة ، كان من اللازم أن يشارك فيها أكبر عدد ممكن من المومنين ، وأن يترأسها ولي صالح ممن له معرفة عميقة بالعلوم الدينية وشهرة بالتقوى والعبادة" . فعلى سبيل المثال ، روى صاحب "الدوحة" على لسان … غير واحد ممن يوثق بحديثه من فضلاء مكناسة أنهم جذبوا مرة ، وأتوا الشيخ أبا الرواين يستسقي بهم ، فقال لهم أمهلوني حتى نرجع إليكم ، فذهب إلى داره وتصدق بكل ما فيها ، وبجميع ما كان عليه وعلى أولاده ، ولم يترك لداره لقمة خبز ولا حبة زرع ، ولبس تليسا وخرج إلى الناس ، وقال : قوموا بنا الآن يصح الطلب ويصدق الدعاء . كما عكف الناس في كل بقع المغرب على تلاوة "دلائل الخيرات" لما فيها من بركة على تفريج الكرب . وتجاوز الأزمة من مجاعة وغيرها ، إلى جانب هذا وذاك ، فالتراث المغربي من أمثال وحكم وأقوال مأثورة ومنثورة ومنظومة تزخر بالكثير من الإشارات التي تصف الأزمة الخانقة التي عاشها أجدادنا خلال القرن 16م والحلول التي ارتضوها لأنفسهم وارتضاها لهم أولياؤهم للخروج منها. ويكفينا دليلا "رباعيات الشيخ عبد الرحمان المجذوب" الشهير وابن الفترة المدروسة، ورواد الطوائف الصوفية وبدون استثناء …
ذلكم هو الدور الذي لعبه أولياء القرن 16م في مواجهة مخاطر القحوط والمجاعات والأوبئة ، وإنه لدور قل مثيله في تاريخ التصوف المغربي على الأقل .
إذا كان الإنسان المغربي يتجه إلى خالقه في أوقات الشدة طلبا للرحمة ، فهذا لا يعني أنه كان يقف مستسلما للأقدار ، كان بالعكس يحسب حسابه لنكسات الطقس مما جعله يكتسب خبرة كبيرة في مقاومة الجوع وكانت إحدى أهم وسائله النضالية ، تأسيس المطمورة والأهراء الجماعية .
فالمطمورة التي تكون جزءا رئيسيا من الحقل ، عبارة عن تجاويف باطنية تفرش جوانبها بالتبن ، وتغطيها صخرة منبسطة يعلوها غطاء صغير مخروط الشكل مكونا أكمة تحول دون تسرب الماء إليها. ومع أن الطبقة العليا من الأقوات المخزونة كانت تتعرض للفساد ، فإنها تشكل قشرة تحمي الباقي ، بحيث كانت المطمورة قادرة على خزن الحبوب في حالة جيدة لمدة طويلة قد تصل إلى 20 سنة .
أما الأهراء الجماعية فكانت منتشرة في المناطق الجبلية بالجنوب. وهي عبارة عن مخازن تبنيها القبائل على شكل قلاع كبيرة تدعى "أكدير" أو "إيغرن" ويتكون كل منها من طبقتين أو ثلاث ، بزواياه أبراج للحراسة. وهناك أحكام عرفية نظمت منذ القديم وبكامل الدقة ، استغلال هذه الاهراءات وقواعد المحافظة عليها وإصلاحها بما يحقق المنفعة وينفي الضرر .
إن الذين يدخرون هم بالطبع الأغنياء ، وخاصة اليهود الذين كانوا يملكون العديد من المطامير والأهراء في فاس خاصة . أما الفقراء كانوا يستفيدون من أعمال البر والإحسان ، فلما كانت هذه الأعمال الإحسانية الفردية غير قادرة في الواقع الاستجابة لكل حاجيات الفقراء في شدة طاحنة ، كما أن مساعد المخزن التي تحدثنا عنها لم تكن قادرة هي الأخرى على احتواء هذه الشدة والاستجابة لطلبات المحتاجين ، لذلك كانت المجاعة تفرض دائما على ضحاياها نظاما غذائيا استثنائيا لا يعمل في الواقع إلا لتسكين آلام الجوع لساعات محدودة ببعض النباتات البرية ، من هذه النباتات نبات "إيرنى" الذي ارتبط اسمه بتاريخ المجاعات الكبرى في المغرب ؛ في كل مجاعة كان الشغل الشاغل للفقراء الخروج بفؤوسهم إلى الخلاء للبحث عن هذا النبات الذي يساعدهم على البقاء وفي هذا الصدد نورد قولة للناصري في سياق حديثه عن الغلاء الكبير والجوع المفرط الذي عرفه المغرب سنة 1266هـ "وفي هذه السنة أيضا كان الغلاء الكبير والجوع المفرط وكان أكثره بقبائل الحوز من بني مسكين وعبدة ودكالة وغيرهم ، فأهرعت هذه القبائل إلى بلاد المغرب والفحص وأكلت الناس الجيفة والميتة والنبات وصار يعرف عند أهل البادية بعام "الخبيزي وعام يرنى" ، وكان الرجل يأكل ولا يشبع ، وإذا أمعن في الأكل تضلعا شبعا لم تمضي إلا هنيئة حتى تضطرم أحشاؤه جوعا" .



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
https://www.albahboha.com/news230.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.