http://unfccc.int/files/meetings/marrakech_nov_2016/application/pdf/overview_schedule_marrakech.pdf
 
آخر الأخبار :
http://unfccc.int/files/meetings/marrakech_nov_2016/application/pdf/overview_schedule_marrakech.pdf

المدينة والاستعمار: نموذج الدارالبيضاء

مقدمة : جاء 30 مارس 1912 تتويجا لمسلسل طويل وعنيد، كان قد دشنه الاستعمار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بهدف تجريد المغرب من سيادته والسطو على خيراته واستغلالها، فقد نجحت فرنسا في الإنفراد مع الدول الأوربية الأخرى التي كانت تنازعها حق التصرف في البلاد لوحدها، مقابل حصول بعضها على جزء من التراب المغربي ، والبعض الآخر على امتيازات وفوائد اقتصادية وسياسية في ظل النظام الجديد، وتطبيقا لمقتضيات اتفاق سري تم عقده سنة 1904 بينها وبين اسبانيا، تسلمت هذه الأخيرة منطقة شاسعة في شمال المغرب، حددت بمقتضى معاهدة 27 نونبر 1912 ، فضلا عما تم الاستيلاء عليه من أراض ، ومناطق جنوبي البلاد وفي صحرائها. وأما الدول الموقعة على عقد الجزيرة الخضراء في 7 أبريل 1907 ، فقد احتفظت بالحقوق والامتيازات التي انتزعتها من المغرب في الفترات السابقة، وأضافت لها أخرى في مجال التبادل التجاري، والضرائب، والقضاء .. في حين ظل قناصل هذه الدول ينظرون في القضايا والنزاعات التي يكون رعاياهم أو محمييهم متورطين فيها، حتى لو كانت جنحة، وما يهمنا هو فترة ظهور المارشال ليوطي وصنعه لمختلف أحداث المغرب ما بين 1912 إلى 1925 وما لحق ذلك من محاولات لاستغلال المغرب عبر إقامة بنية تحتية لتسريع وتيرة السلب والنهب، وذلك ببناء المدن ومد القناطر وتعبيد الطرق وإنشاء السدود... لخلق نمط اقتصادي عصري ، مما ساهم في بسط السيطرة الفرنسية على المغرب، وخاصة مع توجه ليوطي منذ بداية الحماية إلى سن مجموعة من القوانين تهدف إلى نزع الملكية العقارية للمغاربة عبر إصدار قوانين لحماية مصالح المعمرين وعلى سبيل التمثيل لا الحصر القوانين المتعلقة بالماء، و مخطط سياسة السدود التي تم كان الهدف منها سقي ضيعات فلاحية الغرض منها التصدير، ولابد من الإشارة إلا أن الموانئ لعبت دورا استراتيجيا في تاريخ المغرب منذ القديم إلى التاريخ المعاصر، فالانفتاح على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلنطي ساهم بشكل أو بآخر في تحريك العجلة التجارية للمغرب في مرحلة من المراحل، وشجع على الاستقرار في السواحل، وكانت مدخلا لاستعمار المغرب في مراحل أخرى، ومن هنا يفتح لنا الباب لطرح مجموعة من التساؤلات الآتية:
 ما هو نظام الحماية؟ من هو المارشال ليوطي؟
 كيف أثر الاستعمار على المجال القروي؟
 ما هو السياق العام للاهتمام بالماء في المغرب؟
 وكيف ساهم ميناء الدارالبيضاء في توطيد السياسة الاستعمارية في المغرب؟
المحور الأول: نظام الحماية في سطور:
أولا: أشكال الاستعمار: الحماية نموذجا:
إن منظري الاستعمار والخبراء في شؤون الحرب، ومن ورائهم في الأوساط المالية والصناعية، هم الذين ابتكروا لفظة (الحماية)، قاصدين بذلك طمس الهدف الحقيقي لهذا النظام، فمبدئيا يقتصر دور فرنسا وكذلك غريمتها اسبانيا في المناطق التابعة لنفوذها على مساعدة السلطان وتمكينه من بسط سلطته في كافة أرجاء البلاد، وانجاز الإصلاحات الضرورية، أي أن الغاية المتوخاة من الاعتماد على عون فرنسا ثم اسبانيا تتمثل قبل كل شيء في احترام سيادة المغرب، وتمهيد السبيل أمام المغاربة والأخذ بيدهم لتدبير شؤونهم بأنفسهم، لا تولي التسيير المباشر لكل مرافق الدولة في الحاضرة كما في البادية، وتهميش العاهل المغربي والخليفة السلطاني وأعوانهما، وحصر دورهما في التوقيع على الظهائر والمراسيم، وتدشين المنشآت الاجتماعية والدينية ... والمغرب طبعا، واحد من هذه الشعوب التي جعلتها ظروفها التاريخية وأوضاعها الداخلية في مطلع القرن العشرين تقع في قبضة استعمارين عنيدين ، فضلا عن تدويل عاصمته الدبلوماسية وقتئذ (مدينة طنجة) وناحيتها بمقتضى تطبيق القانون الدولي فيها في فاتح يونيو 1925، في مجال الأمن والإدارة والمالية، واكتفاء المغرب بتعيين ممثل للسلطان الذي صار يلقب بالمندوب السلطاني، "وكانت حصيلة سفارة محمد الزبدي إلى أوربا هي نقل المحادثات في موضوع الحماية إلى طنجة، وطرحها على أنظار ممثلي الدول الأجنبية هناك للتوصل إلى تفاهم جماعي يعزز سيادة المخزن على رعاياه قانونيا وجبائيا، وقد تلقى محمد الزبدي أوامر بالتوجه إلى طنجة والتعاون هناك مع كل من بركاش والوزير المفوض البريطاني لفتح مفاوضات موسعة في الموضوع" .
والواقع أن المؤسسات والأجهزة السياسية، والقانونية، والإدارية التي تم إحداثها منذ 1912، قد جعلت من ممثل الحكومة الفرنسية بالمغرب، أي المقيم العام وكبار موظفي الحماية، مدنيين وعسكريين، الحكام الحقيقيين في البلاد، فبعد تعيينه من طرف مجلس الحكومة الفرنسية، يتمتع المقيم العام بسلطات واسعة، لا يتلقى التعليمات والأوامر إلا من مصدر واحد هو وزارة خارجية بلاده، فهو رئيس الإدارة الفرنسية والجيش، ويمثل المغرب لدى الدول الأجنبية، كما يقترح القوانين ويصدر المراسم التي يكون السلطان قد وضع عليها خاتمه، ويساعد المقيم العام في أداء مهامه، وزير مفوض لدى الإقامة العامة، ينوب عنه في حالة غيابه كاتب عام للمقيمين يتولى الإشراف على تسير الشؤون الإدارية والمدنية، ومراقبة المديريات الشريفة، وتوجيه وتنشيط القطاعات الاقتصادية بصفته رئيسا لمجالس إدارة عدد من المؤسسات الصناعية والإنتاجية الكبرى، كالمكتب الشريف للفوسفاط، ومكتب الأبحاث والمساهمة المعدنية، "وقد احتفظ بأساليب عمل المخزن القديم ، بدءا من ليوطي وانتهاءا بأندري لويس دي بوا، آخر مقيم عام فرنسي بالمغرب سنة 1956، ويتبين من خلال دورية صادرة عن رئيس الديوان المدني للمقيم العام بتاريخ 27 نونبر 1924، وموجهة إلى رؤساء هذه المصالح التقنية، وتسميتهم الرسمية هي مدير عام يحتهم فيها الإطلاع على ما تنشره الصحف والمجلات، بين الفينة والأخرى من دراسات ومقالات ذات الصلة بالقطاع التابع لإدارتهم الترابية الرسمية لهؤلاء المسؤوليين الفرنسيين الكبار وهي على النحو التالي:
• الكتابة العامة للحماية
• مديرية الداخلية والشؤون السياسية
• المديرية العامة للداخلية
• المديرية العامة للأشغال العمومية
• المديرية العامة للفلاحة والتجارة والاستعمار
• التعليم العمومي والفنون الجميلة والآثار
• الرئيس الأول لدى محكمة الاستئناف
• المديرية العامة للشؤون الشريفية
• الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف
• المديرية العامة للشؤون الأهلية ومصلحة الاستخبارات
• المديرية العامة للمصالح الصحية
• مديرية مصالح البريد والتلغراف والاتصالات
• العقيد رئيس أركان الحرب العامة
• رئيس الديوان الدبلوماسي للإقامة العامة
وعلى أن أربع مديريات قد تجمعت في يد مسؤوليها الفرنسيين مفاتيح القرار والتفكير والتخطيط والتسيير، وهي مديرية الداخلية والشؤون السياسية، ومديرية المالية، ومديرية الأشغال العمومية، ومديرية الفلاحة " .
وينضاف إلى هذه المديريات والمصالح كذلك، مديرية مكتب المياه والغابات والمصلحة الشريفية للأراضي، ومديرية الصحة العمومية.
ثانيا: ورقة تعريفية عن ليوطي:
لا يمكن أن نفهم مراحل تأسيس أجهزة الحماية وتطورها بدون الرجوع إلى شخصية ليوطي، فقد كان يحب بلاده حبا لا حد له وساعده نفاد بصيرته لتصور الحالة التي كانت عليها فرنسا، ولقد ولد في 17 نوفمبر1854 بنانس، وهو أول مقيم عام بالمغرب، "شخصية ليوطي دفعت العديد من أقاربه إلى أن يكتبوا عنه كثيرا، وقد فتنهم بأفكاره الأرستقراطية ومشايعته للملكية، وكتب عن ذلك المؤرخون، فكشفوا عن أوصاف أضيفت إلى ما اشتهر به من مجد، وما نسمع حول شخصيته من هالة، وقد تيسر الإطلاع على الوثائق الرسمية أكثر من ذي قبل .. وأصبحنا ندرك حقيقة أحداث الحماية وحقيقة منشئ نظمها، واعترف الجميع بشخصيته الخارقة للعادة، فقال عنه "شارل أندري جوليان:" .. لم يكن من الرجعيين المتطرفين، إذ كان أذكى من أن يكون مثلهم، فكان يتصف بذلك الذكاء المطلق الذي لا تعوزه القدرة الفائقة على إدراك الضروريات ولا المعرفة التي اكتسبها بذاكراته التي لا تضعف، ولا يعوزه الإطلاع على صفوة الفكر البشري، وكان تطلعه شاملا لا ينتهي وخياله متأججا بناءا، فكان يكره التقيد بالآراء والعادات المتداولة كما يكره الرتابة والاستبداد في الحكم" .

الصورة 1: ليوطي وزيرا للحرب في فرنسا


ولقد كتبت مؤلفات كثيرة عن ليوطي نذكر منها كتاب الجنرال كاترو الذي عمل تحت إمرته سنة 1907 عند احتلال وجدة، فقد لخص كاترو صفات هذا الرجل الفذ فيما يلي: " كان قائدا حقيقيا، إذ كانت له خصال القواد وسعة نظرهم وتقديرهم للمسؤولية ومعرفتهم بالرجال، وكان لا يفتر عن البناء، فقد كان أحد مهندسي مختلف المنشآت، كالمدن والقناطر والسكك الحديدية والموانئ، وعمر الأراضي واستغل المناجم وكان دائم التطلع إلى المستقبل، وكان تقيا زاهدا، محترما لتقاليد الدين المسيحي. وافتتن الناس به كثيرا وبالغ المؤرخون الفرنسيون في إبراز ذلك إلى أبعد الحدود، لكنه لم يكن كامل الأوصاف، فلقد استوحى ليوطي نزعته إلى السلطة من فترة نشوئه وشبابه ، ومن الوسط الذي نشأ فيه ومن اطلاعه على مؤلفات موراس وباريس، ومن هذه العناصر استوحى إعجابه، بألمانيا وبايطاليا في عهد موسولوني، فوجد في المغرب ما حقق به أمنيته، وعرف أحسن من غيره كيف يسلك سياسة " الإكراه والابتسام" وهي لديه مزيج من الرحمة واللطف، وسمى البعض تلك السياسة سياسة "غزو النفوس" واستغل علومه ، كعلم الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس وعلم خصائص الشعوب وعلم الحرب ليعتمد عليها جميعا في سياسته، توفي سنة 1934 في 21 يوليوز. ومن أهم العلوم التي كانت جد مؤثرة في رسم تقاسيم المشهد السياسي المغربي السوسيولوجيا، حيث يقول بردوزي محمد في كتابه: "structures du maroc précolonial, critique de robert montagne ":
"l’ouverteure de la sociologir politique sur d’autre horizons n’est cependant pas auxe conditions locales du maroc. De façon générale ; le système politique doit étre envisagé autant dans son envirenement (économie ;démographie ;technique) , que dans ses élements interne" .

الصورة 2: ليوطي في مدغشقر سنة 1902


ثالثا: السياق العام للاهتمام بالماء في المغرب:
لقد جاء السياق العام للاهتمام بالماء مباشرة بعد إعلان الحماية على المغرب، حيث عمل الجنرال ليوطي على التوجه لسن مجموعة من القوانين التنظيمية لهذا المورد الأساسي لاستقرار الفرنسيين، فكما لا يخفى على بال أحد أن الحماية لن تنجح في سياستها الاستعمارية إلا من خلال بسط النفوذ انطلاقا من خفض قيمة ثمن الأراضي في وجه الفرنسيين و تمتيعهم بأكبر قدر ممكن من الامتيازات، لتشجيعهم على الاستقرار وفي هذا الإطار كان لابد من سن تشريعات تنظيمية للماء، " وكان أول نص قانوني يعود تاريخه إلى 1914 ويتعلق الأمر بالظهير الشريف الصادر في 7 شعبان 1332هـ(فاتح يوليوز 1914) حول الأملاك العامة والمتمم بظهيرين شريفين درا سنة 1919 و 1925، الذي يدمج جميع المياه مهما كان شكلها في الأملاك العامة المائية، ومن تم لا يمكن للموارد المائية أن تكون موضوع تملك خاص باستثناء المياه التي اكتسبت حقوقا عليها" ، إذن فأهم النصوص الأساسية المتعلقة بالماء تعود في مجموعها إلى البدايات الأولى للحماية ولقد أعدت تبعا للحاجات والظروف (إيجاد فرنسا موطئ قدم داخل المغرب). وبعد ربط السوق المغربية بالسوق الدولية توسع الاستعمار الفلاحي، وتطورت واردات المنتوجات الصناعية ولتسهيل هذه العملية تم إنشاء مجموعة من المكاتب، نموذج بني عمير سنة 1941 الذي أنجز أشغال الري على قبيلة بني عمير بتادلة، حيث فرض على أهالي المنطقة زراعات جديدة، وحيث تم توزيع المساحة القابلة للري بين المعمريين "، لقد شيدت السدود الكبرى لإنتاج الطاقة الكهربائية وللسقي ، وقد بنيت ثلاثة سدود قبل الحرب العالمية الثانية ، أحدهما على الوادي المالح ، والثاني على وادي نفيس والثالث على أم الربيع ،وبني بعد ذلك على هذا النهر أربعة سدود أخرى ، منها سد الداورات وسد ايمفوت لسقي سهول دكالة ، أما سد بين الويدان الذي بني على وادي العبيد ، فقد كان الهدف منه سقي سهول تادلة، وبني سد آخر في شرقي المغرب على نهر ملوية، وقد قومت نفقات تجهيز هذه المنشات بستين مليار فرنك (1959) على الأقل ،ولربما بلغت هذه النفقات نسبة% 10 من مجموع نفقات التجهيزات التي أنجزتها إدارة الحماية، غير أنه يجب التنبه إلى أن أعمال تجهيز المناطق المسقية لم تشمل إلا مساحات ضئيلة 36500 هكتار فقط سنة 1956، وإلى أنه لم يستفد منها إلا المعمرون. أما الكهرباء فكان ينتجها اثنا عشر معملا مائيا ، بلغ إنتاجها KWH 200000000، ومعملان حراريان عظيمان، شيد أحدهما في الدارالبيضاء سنة 1924، وثانيهما في وجدة 1929، وقد انتقل مجموع إنتاج الطاقة الكهربائية من KWH 25000000 سنة 1930 إلى KWH250000000 سنة 1942 و1943 .

المحور الثاني: الاستعمار القروي ونتائجه على الساكنة:
أولا: نزع الملكية:
لقد عمل الفرنسيون منذ أن وضعوا أقدامهم على أرض المغرب على البحث عن طرق لسلب الأراضي من أصحابها، بطرق ملتوية متنوعة، إما بشرائها بأثمنة بخسة، أو بانتزاعها بالقوة أو بالخداع، فامتلاك الأرض يعني تثبيت التواجد. ولقد عملت الحماية الفرنسية على تسهيل دخول مواطنيها إلى المغرب ومحاولة إغرائهم بكل الوسائل المتاحة للاستثمار والاستقرار، "فعلى الفرنسيين إن أرادوا إحياء الفكر الوطني أن يستلهموا من مستعمراتهم وممتلكاتهم الخارجية ما يساعدهم على استعادة مزايا الشباب، وكان لسياسية فرنسا أثرها، وكان لا بد من إصدار نصوص تشريعية كثيرة لتسيير الأراضي ببيع أراضي المغاربة ونزع الملكية، وذلك لإغراء المهاجرين، إذ بلغ عدد الأوربيين القاطنين 400.000 سنة 1955 في منطقة الحماية الفرنسية، وأصدر ظهير لنفس الغاية يوم 13 ديسمبر 1913 في موضوع تسجيل الأملاك العقارية، وكذلك لتنظيم الفوضى التي كانت موجودة في هذا الميدان، وقد أباحث معاهدة مدريد والجزيرة الخضراء لرعايا الدول المشاركة في المؤتمرين امتلاك 80.000 ألف هكتار في أغنى مناطق البلاد، ومكن الظهير المذكور من إضفاء الشرعية على الملكية عند صدوره" .
لكن الملاكين الصغار والمتوسطين المغاربة حاولوا التعرض في ظروف صعبة للحد من الاستعمار الفلاحي، وشددت إدارة الأمور الأهلية ضغطها وبعثت المذكرات إلى الضباط والمراقبين لإرشادهم إلى الوسائل التي أوصوا بإتباعها لتيسير امتلاك المعمرين للأراضي.
ومن هذا المنطلق "استعمل بعض رجال المخزن سلطاتهم في سبيل تحقيق رقي في المجتمع، و كان اغتناؤهم على الخصوص، بالاستحواذ على أوسع الأراضي الزراعية، فبعض الأراضي وقع امتلاكه بوسائل مختلفة، وبعضها فوت لهم بصفة شخصية مدى الحياة في صورة شبيهة بصورة الإقطاع" .
وكان المعمرون قد استفادوا من أخصب الأراضي حول الرباط وفي الشاوية ودكالة وفي شرق المغرب، ثم أخد مجال الاستعمار الفلاحي الرسمي والخاص يتسع باستمرار مثل التوسع العسكري. فالبوادي شكلت النواة التي فضلها غالبية المستعمرين المستقرين وخاصة منهم الذين توجهوا للاستثمار في المجال الفلاحي، واستفادوا بدورهم من امتيازات متعددة. "فلقد اضطرت بريطانيا على سبيل المثال وبحكم العلاقة القائمة بين قطاع الفلاحة وتجارة التصدير إلى بدل جهودها لإثارة انتباه المخزن إلى تحسين أحوال الفلاحة وتطويرها ، وصادف التوقيع على معاهدة 1856، بين البلدين تزايدا في حاجيات الصناعة النسيجية البريطانية لمادة القطن، أما على مدى ملائمة الظروف الطبيعية لزراعته في المغرب، وتخوف المخزن من مساهمة انتشار زراعة القطن في البوادي المغربية في توافد الأوربيين على البلاد" .
يبدوا أن المغاربة القاطنين في القرى، تأثروا بشكل كبير بسياسة نزع الملكية إما بالإكراه أو بالتهديد، وخاصة أن الأرض هي مصدر رزقهم ومعاشهم، مما أدى إلى ظاهرة الهجرة نحو المدن وهوامشها، إما هربا من الاضطهاد الذي أصابهم أو رغبة منهم في الحصول على لقمة العيش بعيدا عن مناطق استقرارهم الأصلية.
لقد "كان الهم المباشر للنظام الجديد هو مساعدة الأجانب على تملك الأراضي المغربية وعلى إضفاء طابع نهائي على هذا التملك، من خلال تدعيم الملكية بضمانات غير متنازع فيها قانونيا، وكان هذا موضوع ظهير 12 غشت 1913، المتعلق بتسجيل العقارات، وإنشاء المحافظة العقارية سنة 1915" .
ثانيا:الهجرة القروية:
كان من الأسباب المباشر لنزع الملكية هو تنامي ظاهرة الهجرة، وخاصة القروية، حيث توجه غالبية الساكنة إلى المجالات الحضرية، نتيجة السياسة التي نهجتها فرنسا من خلال الاستثمار في الأراضي الزراعية ودفع الدولة عن طريق الأبناك ومكتب القمح بما يجب لإنعاش الزراعات التسويقية، التي تصدر منتجاتها كالخمر والقمح والخضر، وعلى إثر هذه الهجرات المتتالية تكونت طبقة من العمال حول المدن. "لقد جاء توسع المدينة في أعقاب الانطلاق الصاخب للنشاط التجاري، وأصبحت اليوم تضم أكثر من 700 ألف ساكن ،بعد أن كانت في 1907 مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 20 ألف ، وتحتل اليوم المرتبة الأولى من بين مدن المغرب وشمال إفريقيا ، وهي كتلة نصف دائرية ممركزة على الميناء والأحياء المجاورة له وتطورت بواسطة شرائح متركزة على طول شوارعها الدائرة وقد كبرت الدارالبيضاء في السنوات الأخيرة واتجهت مخارج شوارعها الكبرى نحو فضالة (المحمدية) والرباط ومراكش ومازاكان (الجديدة) واكتسبت مظهرا مستعصيا يماثل مظهر المتروبولات العصرية " .
المحور الثالث : الميناء نواة تأسيس مدينة الدارالبيضاء:
أولا: الاستثمارات الأجنبية:
كان معظم النشاط الاقتصادي المغربي حتى سنة 1912، يقتصر على التبادل التجاري مثل استيراد السكر والشاي ونسيج القطن والمواد المصنوعة، وبعض الآلات والأدوات، وتصدير بعض المنتجات الفلاحية، كالحبوب وزيت الزيتون والصوف، وقد شرع هذا التبادل مع أوربا في بداية القرن 19 عشر، ثم مع إبرام معاهدة 1856 بين انجلترا والمغرب، ثم كانت معاهدة الجزيرة الخضراء المبرمة سنة 1906 والتي أقرت "مبدأ الحرية الاقتصادية بدون تمييز" بين الدول المتعاهدة، وبذلك أصبحت أوربا بمثابة الوصي على المغرب، ولما كانت الرسوم الجمركية ضعيفة وموحدة لا تفاوت فيما بين أنواع البضاعة، فقد استغلها كبار التجار فازداد حرصهم على المضاربات العقارية وتسبييق الأموال والقروض المضمونة بالرهون، وأدى هذا التلاعب التجاري إلى الربا." ثم أخذ النشاط التجاري يتجمع في الموانئ أكثر من ذي قبل، وأصبحت طنجة ثم الدارالبيضاء أهم المراكز التجارية، وارتفع معدل تعامل الدارالبيضاء إلى 20 في المائة من تجارة جميع الموانئ المغربية، حيث أخذ الاستعمار يستقر، وقد أنشأ شنيدر وبنك الوحدة الباريسية الشركة المغربية la compagnte marocaine منذ سنة 1902، أما بنك باريس والأراضي المنخفضة الذي كان زعيما لمجوعة من الأبناك الفرنسية la compagnie céntérale du maroc 1912 ، وذلك بعدما تمكن من مراقبة رأس مال البنك المخزني المغربي، ثم أنشأ سنة 1919 أومنيوم شمال إفريقيا وهي مؤسسة قوية كلفت أولا بالتنقيب عن المعادن ثم امتد نشاطها إلى النقل والصناعة والفلاحة وإلى الميدان العقاري" .
فلم تكن هناك صعوبة في إيجاد رؤوس الأموال ولذلك تمكن ليوطي من انجاز الإصلاحات التي من شأنها أن تحقق التنمية الاقتصادية في البلاد، مثل بناء ميناء الدارالبيضاء وتوسيع شبكة السكة الحديدية والطرق وبناء مختلف المنشات والسدود. وتجدر الإشارة هنا إلى "أن من بين العناصر التي لعبت دورا مهما في حسم المسألة الاستعمارية هم رجال الأعمال والمؤسسات البنكية إذ أشار الدكتور أحمد مهدرها في مقال له ضمن ندوة "المقاومة المغربية ضد الاستعمار 1904-1955"، أنهم ساهموا في بسط السيطرة الفرنسية، في حين لم يتحمسوا أبدا للعملية الاستعمارية الاسبانية وفضلا عن عدم الانسجام بين رجال الأعمال والسياسة بصدد المسألة المغربية حيث كانت الحكومات تجد صعوبات كبيرة لإقناع رجال الأعمال بجدوى القضية المغربية . ولقد تقلصت مصالح انجلترا بدورها "إذ انخفضت نسبة مبادلاتها في التجارة الخارجية المغربية من 40 في المائة سنة 1904 إلى 29 في المائة سنة 1905، وارتفعت نسبة المبادلات مع فرنسا من 24 في المائة إلى 38 في المائة، حيث لجأت المجموعة المالية الفرنسية إلى تقوية مصالحها فقد سبق لشركة شنيدر وشركائه بعدما كلفت الملازم البحري كالكوري بمهمة دراسية في المغرب، إذ أنشأت في 30 ماي 1902 شركة مالية تحمل اسم الشركة المغربية" .

رسم بياني يمثل الاستثمارات الأجنبية بالمغرب

ثانيا: ميناء الدار البيضاء:
لقد أخذ المارشال ليوطي يفكر في إنشاء ميناء كبير، وذلك بمجرد إمضاء عقد الحماية، ولم يختر موقع الدارالبيضاء لكونه أصلح من الناحية التقنية، "لكن لائتلاف عدد من العادات والمصالح حول ذلك الموقع حسب جان سيليمري jean célémér وقد فازت بالمناقصة شركة le compagnie marocian التي كانت تمثل شنيدر shneider ، وقد دشن الميناء سنة 1921 على مساحة 140 هكتار، وله رصيفان طول الأول 1900 متر والثاني 1550 متر، ويبدوا أن نفقات البناء بلغت بين 16 و 17 مليار فرنك" ، والرسم أسفله يبين ذلك:

الصورة 4: ميناء الدارالبيضاء:


رسم بياني يمثل تطور صادرات وواردات الميناء

يظهر من خلال المبيان أن منذ سنة 1912 إلى سنة 1924 كانت الواردات أكثر من الصادرات قيمة وحجما، إذ لم يكن المغرب يصدر حينئذ إلا المنتجات التقليدية، وكانت البواخر الفرنسية التي ترسوا بميناء الدار البيضاء تنقل 52 في المائة من مجموع المنقولات سنة 1912، ومن سنة 1925 إلى سنة 1955 انقلب الوضع ونتج عن ذلك تصدير المواد الثقيلة الوزن، مثل الفوسفاط بالدرجة الأولى، والحديد، والمنغنيز، والكوبالط، والفواكه والخضر، أما الوردات فكانت المنتجات التامة الصنع وغير التامة الصنع والمحروقات السائلة والحبوب. وتدل الإحداثيات على أن ميناء الدارالبيضاء كان يتبوأ سنة 1926 الدرجة الأولى في المنطقة التجارية الفرنسية ب 70 في المائة من حيث الوزن و ب 60 في المائة من حيث القيمة، وظهر من إحصاء 1931 أن عدد التجار في الدار البيضاء كان يبلغ 4360 منهم 3906 من الأجانب من ضمنهم 2563 فرنسيا" .





خــــــــاتــمــة :
كتب ليوطي في تقرير له مؤرخ 16 يونيو 1915 ما يلي : ينبغي أن نجعل من المغرب سوقا تجارية وصناعية رائجة ، وذلك هدف أي مؤسسة استعمارية .. وكان لا بد لرواج تلك الأسواق، من جلب رؤوس الأموال الأجنبية ومن تيسير الاقتراض، وكان لا بد من تجهيز البلاد وتوسيع شبكة الموصلات لاستغلال الثروات المعدنية والفلاحية والمواد الخام، فأصبح المغرب مثل ورش واسع تنشأ فيه المنشات المتعددة، وقام ليوطي مقام الوكلاء التجاريين لفائدة نظام الحماية.
لقد تمكنت فرنسا الدولة الاستعمارية من أن تستفيد من خبرتها في مجال الهيمنة على مقدرات مستعمراتها، وذلك بفكر استعماري يستند على أبحاث ودراسات استباقية للحد من الخسائر من خلال تنويع أشكال فرض نمطها الاقتصادي والسياسي والثقافي .. وتجربة الجنرال ليوطي في المغرب اقرب مثالا نعيش على تقاسيمه لحدود الآن ، فمازالت مختلف البنى التحتية صامدة في عصرنا الراهن كشاهد على فلسفة فكر رجل خالد في تاريخ المغرب.
=====================================
بعض المراجع المعتمدة:
المراجع:
 ألبير عياش، المغرب والاستعمار حصيلة السيطرة الفرنسية، ترجمة عبد القادر الشاوي وآخرون، نشر دار الخطابي للطباعة، ط1/ 1985.
 الشابي مصطفى، النخبة المخزنية في مغرب القرن 19، نشر كلية الآداب و العلوم الإنسانية الرباط، مطبعة فضالة المحمدية.
 خالد بن الصغير، المغرب وبريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر1886-1856، مطبعة النجاح الجديدة.
الدراسات والمقالات:
 الشابي مصطفى، مرحلة تحدي الاستعمار،مجلة المناهل، السنة 33 – عدد 89-90 رجب 1432/ يونيو 2011.
 رشيد أحمد، ليوطي والحماية ، مذكرات من التراث المغربي، الجزء الخامس (1324-1352هـ/1906-1933م) تجزئة ومقاومة، تحت إشراف الصقلي العربي، ط 1985.
 الصقلي الحسن، الاستثمارات في عهد الحماية، مذكرات من التراث المغربي، الجزء الخامس (1324-1352هـ/1906-1933م) تجزئة ومقاومة، تحت إشراف الصقلي العربي.
 مهدرها أحمد، ملاحظات حول السياسة الاستعمارية الإسبانية في شمال المغرب 1912-1925، ضمن أعمال ندوة:"المقاومة المغربية ضد الاستعمار (1904-1955)،الجذور والتجليات، منشورات جامعة إبن زهر، أكادير، ط1997.
 ظهير شريف رقم 1,95.154 صادر في 18 ربيع الأول 1416 (16 أغسطس 1995)، بتنفيذ القانون 10.95 المتعلق بالماء، المنشور بالجريدة الرسمية، عدد 4325، بتاريخ 20 شتنبر 1995، المملكة المغربية، كتابة الدولة لدى وزارة الطاقة والمعادن والماء والبيئة المكلفة بالماء والبيئة.
 Berdouzi mohamed, structures du maroc précolonial, critique de robert montagne, novembre 1981.





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
https://www.albahboha.com/news246.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.