آخر الأخبار :

جوانب من تاريخ المؤسسات الإجتماعية والخيرية بالحضرة المرينية

مقدمة :
يلعب الفرد في المجتمع دورا قد يكون إيجابيا كما قد يكون سلبيا ، نظرا للعلاقات التي تربط بينهما ، والتفاعل المستمر الذي يطبع وجودها في الزمان والمكان ذلك أن هذا التفاعل وهذا الإرتباط هما الظاهرتان المميزتان للتطور الناشئ عنهما والمتجدد حسب قوة وضعف كل منهما ، ونتيجة لذلك قد تكون الغلبة للبيئة المادية والإجتماعية التي تتحكم في الفرد إلى درجة معينة تجعل منه عنصرا منفعلا متلقيا عاداته وسلوكه منها ، بمعنى أن كل ما يصدر عنه من سلوك نفسي واجتماعي آت من التيار الإجتماعي الناشئ من الإطار الذي يعيش فيه" ،و فترة حكم دولة بني مرين من أكثرالفترات اشعاعا وتقدما وتفاعلا، عملت فيه الأسرة الحاكمة تحت قيادة ملوك بانين ، يتصفون في أغلب الأحيان بالورع ، على تقوية بنيات الدولة التي امتد نفوذها عبر المغرب الكبير والأندلس ، خصوصا في عهد السلطانين : أبي الحسن وأبي عنان اللذين حكما على التوالي فترتي (1331_ 1348) و(1340_1358) ، أما العلوم والفنون والهندسة المعمارية فقد عرفت جميعها أوج الرقي والإزدهار في هذه الحقبة نفسها ، كما ساهمت في نشر تقنيات جديدة في ميدان البناء والتعمير ، وقد شهدت هذه الفترة التاريخية أيضا رجالات : كابن خلدون .. اللذين ميزوا جيلهم وعصرهم بما أضافوا من قيم كونية إلى رصيد العلم والثقافة الإنسانية ، وتتبوأ الحضارة المرينية درجة مرموقة في ميدان البناء والتسير ، وقد اتخذت مبانيهم وجهات متنوعة ، وكان في طليعتها الحاجيات العسكرية والسكنية ، كما اهتموا بالعمائرالدينية والثقافية ، وبرهنوا ببنايات أخرى على عنايتهم بالقطاع الإجتماعي ، وهكذا شيدوا القلاع والمراقب والجوامع والمدارس ، وأسسوا المستشفيات والملاجئ ، وديار الضيافة وعملوا على تجهيز بعض المدن بالدورة المائية ، وكانوا ينفقون بسخاء على اقامة المؤسسات .


خريطة توضح أهمية مدن المغرب المريني مع مدن المشرق الإسلامي


في عهد الدولة المرينية دخل المغرب بقوة في الخريطة الفكرية والعلمية لمختلف مدن العالم الإسلامي ، وأصبحت فاس ومراكش لا تختلف من حيث أهميتها عن القاهرة والإسكندرية " الخريطة من مذكرات تراثية" مقال عبد الغني مغنية عن ابن خدون الصفحة 93 .

أهداف البحث :
الريف نواة المدينة:
الهدف من هذا الموضوع توضيح بعض معالم العلاقة الجدلية بين القرية والمدينة ،فأنوية المدن في شكلها التقليدي تبدأ من الريف، وكلما كانت العلاقات والتفاعلات قوية بين أعضاء القبائل ، انعكست ايجابا بعد التحول إلى المدنية ، بإضافة عنصر التغلب والحكم ، لذلك فلا نستغرب أن بعض المنشآت المدنية في عهد الدولة المرينية هي تلبية لروح التكافل والتضامن بين الإنسان الإنسان والإنسان المجال، يقول ابن خلدون أن العصبية هي التي تدفع القبيلة إلى الألفة والمحبة ،والإتحاد والوئام والدفاع عن المصالح المشتركة ، وأن شيئين يقويان العصبية ،وهما احترام العرف والعادة ، والحاجة الدائمة للهجوم والدفاع ، ثم تكلم عن الأسرة وتكوينها، فقال إن كل أسرة تفقد صفاتها النبيلة في آخر الجيل الرابع ، وأن القبائل تبقى قوية ما دامت مدافعة على قوتها وعصبيتها، فالعصبية عند ابن خلدون هي العصبية الطبيعية أو الوحشية لا توجد إلا في البوادي، حيث تقتضي ظروف الحياة الخشنة القاسية تماسكا بين أفراد القبيلة، بالمعنى الخلدوني نموذجان" تحالفي بين عصبيات متعددة، وهو ما يعطنا الملك والدولة، والنموذج الثاني تنافسي من أجل الرئاسة ، إلا أن العصبية ليست كافية لتحقيق الدولة ، يجب أن توجد دعوة دينية تزيد من الالتحام والتماسك ، وبعد أن تبلغ القبيلة مستوى منظم تلجأ إلى عناصر غريبة لضمان استقرارها على الحكم" ويعتبر عبد الحق بن محيو المريني أول من نقل بني مرين من حالة البداوة في الصحراء إلى مرحلة التفكير العملي لإقامة دولة المرينين في المغرب الأقصى، وتعددت منازل بني مرين نتيجة دخولهم الحياة التي دأبوا على نهجها في معيشهم، وهو أسلوب البداوة الذي غلب على كل شيئ في حياتهم، ويدكر أنهم لا يعمرون سوى الصحاري لا يعطون الضرائب لسلطانهم وفي ظل هذه الحقيقة لم يتفق ابن خلدون على مكان اقامتهم. فابن خلدون يرى أنهم أقاموا من فكيك إلى سجلماسة في الجنوب ومن فكيك إلى ملوية في الشمال.

المحور الأول: أصل بني مرين
" عالج صاحب الذخيرة السنية نسب بني مرين معتمدا على مصادر سابقة ، فأرجعهم إلى قيس بن مضر ، والجدير بالذكر أن عبد المومن بن علي كان ينتسب إلى قيس بن مضر .. ونفس السبب قد يكون دعا بني مرين إلى انتعال الأصل العربي ، مهما يكن من شيء فإن بني مرين قد أجمعت المراجع على أنهم من زناتة التي عدد صاحب الكتاب المذكور ، منها قبائل عديدة " ونقل ابن خلدون في المجلد الأخير من تاريخه أراء كثيرة في نسب زناتة إلى طبقتين :
أولهما : يدخل فيها بنو يفرن ومغراوة ، والثانية : يدخل فيها بنو مرين وبنو عبد الواد وتوجين ، والفخذتان الأخيرتان من قبائل المغرب الأوسط ، أما مرين فهو جد القبائل التي تفرعت عن زناتة ، ومنها تفرعت فخذات كبيرة مثل : بنو النعمان .. والمرنيون لاقوا كسائر زناتة الرحل مشاكل ، المجاعة والجذب وفي الأراضي الصحراوية منذ أواسط القرن 6 هجرية ، ولم يكن عدد بني مرين قليلا كما يزعم طيراس ، فقد انتشروا في سايس وصحاري الشمال الإفريقي من القيروان الى بلاد السودان .
وكانت رياسة بني مرين في على أول أيام الموحدين لبني عسكر ، وكانوا يقطنون منطقة الزاب إلى تلمسان ، وعندما بدأ عبد المؤمن يكتسح المغرب الأوسط ، استعان على بني مرين ببني عبد الواد الذين بددوا جموعهم سنة 540 هجرية ، فنزالو جنوبا إلى الصحراء يعيشون عيشة البداوة والترحال ،ويلتقون خلال الربيع والصيف في أعالي ملوية حتى ناحية تازا وكرسيف ، فيتزودون بالحبوب التي يحتاجونها في فصل الشتاء .
وقد أبلى المرينيون بزعامة أميرهم محيو بن أبي بكر بن حمامة بلاءا حسنا في وقعة الأراك التي انتصر فيها جيوش المنصور الموحدي 591 هجرية ، وأصيب محيو بجراح قاتلة في هذه المعركة .
المحور الثاني: العمران وفن البناء المريني :
شيد المرينيون المدن والقرى والقلاع ، وكانوا في فن البناء أحسن نموذج بنقلهم عن الفن الأندلسي خصوصا بعد أن بلغ ذروته في عصر بني الأحمر ، وقد انتشر الري بالنواعير وشيدوا عدة قناطر وأبراجا ومراسي ، وكان البناء يتم بواسطة تصميم يضعها المهندسون سلفا .
والحق أن العمل المريني في ميدان الفن ، لم تكن مستمدة من ابتكار هندسي تقني ، بقدر ما كان يرجع إلى جودة الذوق والتنويع والدقة ، ولا يزال أثر هذ ا الفن عظيما في عدد من مباني المغرب ، بل امتد الى البلاد الشرقية التي تستدعي رجال هذا الفن لتشيد بعض مساجدها ، فإنه لم يمت على الإطلاق في العهد السعدي والعلوي ، بل انبعث في بعض الأحيان في منشآت الدولتين ، وقد عاش المغرب في عصر بني مرين مع مبرات اجتماعية ، تبلورت في مؤسسات خيرية متعددة ، فضلا عن اسعافات مادية متنوعة ، فاستفاد من هذه المبادرات طبقات من الفقراء وذي الإحتياجات الخاصة ،وساهم في نفقاتها الجهات الحاكمة ، وفئات من المحسنين ولتحليل هذه المعطيات لا بد من تصنيف هذه المنشآت المدنية حسب دورها .
المحور الثالث: المؤسسات الإجتماعية
• المستشفيات
كان المهتمون بهذه المبرة ثلاثة عظماء من بني مرين ،بدءا من أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق ، وهو الذي بنى المارستانات للمرضى والمجانين ، وأجرى عليهم النفقات وجمع ما يحتاجون إليه من الأغذية والأشربة ، وما يشتهون من الفواكه ،ووظف الأطباء لتفقد أحوالهم مرتين كل يوم بالغذاء والعشاء ، ثم أحيا سبله في ذلك ولده أبو عبد الله ، ويقول الوزان الفاسي عن مارستانات عاصمة المرينين "توجد بفاس مستشفيات عديدة ، ولا تقل حسنا عن المدارس ، ويوجد عدد من البيمارستانات خارج المدينة لا تقل أهمية عن التي بداخلها ، والمعروف من هذه المؤسسات مستشفى فاس المشهور "سيدي فرج"وكان موقعه بالعطارين قرب سوق الحناء ، مع مر من الزمن تقلص حجمه إلى بناية صغيرة مقسمة إلى حجرات ،فضلا عن مسجد تم أحيط بجدار أبيض ينفتح به باب حديدي مرتفع ، حيث صارهذا الملجأ لايواء المعتوهين الموزعين بين حجراته المفصولة ، وقد اهتم المنصور الموحدي بهذه المنشآت المدنية "بنى بمدينة مراكش بيمارستانا ما أظن أن في الدنيا مثله ، وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد ، وأمر البنائين باتقانه على أحسن الوجوه، فاتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخاريف المحكمة ما زاد على الإقتراح ، وأمر أن تغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المشموعات والمأكولات ، وأجرى فيه مياها كثيرة تدور على جميع البيوت ، زيادة على أربع برك في وسطه ، احداها رخام أبيض "

وعرفت سنة( 1364_ 1944) نهاية مستشفى سيدي فرج ، فانهارت بنايته وحولت إلى قيصارية مع الإحتفاظ بالمسجد ، ونقل المعتوهون إلى مكان آخر في نفس المدينة .
"ويرجع أن أول من أنشأ البيمارستانات هو يوسف بن يعقوب المريني عام ( 1286_685) ، وقد عهد باداراته إلى أشهر الأطباء ، وأوقف عليه عقارات كثيرة برسم النفقة عليه وحفظه ، ولما عظم شأن المستشفى واتسعت أعماله ، أدخل عليه السلطان أبو عنان زيادات عظيمة "
والى ذلك يشير الوزان الفاسي إلى اطارات الموظفين بهذا المستشفى ، وفيهم كتاب وممرضون وحراس وطباخون ،ويتقاضى كل واحد منهم اجرا .
ويعرف من هؤلاء الموظفين اثنان من علية العصر المريني : ابو فارس عبد العزيز بن محمد القروي ، من مشايخ واعلام فاس وصلحائها ، وتوفي (750_1330) ،ثم محمد بن قاسم بن ابي بكر القرشي المالقي الغرناطي نزيل فاس، والمتوفى (1356_757 )، اضافة الى المهمة الإنسانية لهذه المؤسسة ، كانت تعتبر ملجأ لطائر اللقلاق ، اذا انكسر أو اصيب فانه يحمل الى المستشفى وتضمد جراحه ويتم اطعامه .


كان البيمارستان مأوى لطيوراللقلاق وكل من ساهم بمساعدتها ينال مكافأة عليها"شالة" كليني بوعمري


وفضلا عن المهمة الصحية لنفس المؤسسة ، كان ينفق من أوقافها على غسل وتكفين الغرباء الموتى، وأخيرا عند مطالع القرن الهجري التاسع ، حلت النهاية المؤسفة لهذا المستشفى ، فاستلف العاهل المريني ابو سعيد المريني أوقاف الملاجئ ليسدد بها نفقات حروبه ثم مات قبل أن يسطيع قضاء السلف ، وبذلك لم تعد مستشفيات فاس كما كانت عليه من ذاك العهد
ومن ملحقاتها دكاكين الصيادلة بفاس المرينية ، وكان مكانها عند سوق العطارين، حيث لا يزال يحمل اسم المواد المتعلقة بالعطارة والطب ، ومعظم صيدليات الأطباء مجاورة لهذه الدكاكين ، وبعد فاس توزعت المنشآت الصحية بخمس مدن :
انطلاقا من تازة فكان بداخلها مشفى، واخر بمكناس اشتهربزيارة عبد الله المنان أديب مكناس في زيارته للمدينة صحبة مخدومه السلطان أحمد ، واخر مؤسسة كانت بسلا وردت عنها اشارات عند بنائها لدى لسان الدين الخطيب .

المحور الرابع: مباني وعقارات احسانية
مبرات تضافرت فيها الجهود الحاكمة مع مبادرات المحسنين ، فنعرض منها النماذج الأتية :
أبوالحسن بنى دورا شبيهة بالربط ، برسم سكنى من دخل مرحلة الشيخوخة من الضعفاء الملازمين للخير، وقد ورد في لوحة الأوقاف على مدرسة الأندلس بفاس هذه الفقرة: " وامر الحسن مع ذلك ببناء دار أبي حباسة للشيوخ الملازمين للصلوات بجامع الأندلس" ، والغالب أن هذه البناية هي نفس الفندق المواجه لدار الوضوء التابعة لمدرسة الأندلس وقد كان مسكنا للمكفوفين.



وبفاس قصر يحمل اسم "دار الشيوخ" عند زقاق رياض جحا بين الصافة ورحبة قيس ، تعد لتعريس المكفوفين الذين لا سكنى لهم ، فكلما اقترن كفيف أقام بهذه الدار مراسم الزفاف ، ومن المؤسسات الإحسانية الأخرى بالمدينة ذاتها أربع ديار وقفية يسكنها الضعفاء والمساكين ، من أكبر ديار فاس ضخامة وسعة رحاب ووفرة مياه، مع ثلاثة ديار تعريس الضعفاء والمتوسطين الذين لا يتوفرون على سكن يتسع لهذه المناسبة ، وقد جهزت كل واحدة مها بالفرش والأثاث اللائقة بوليمة التزويج، كما أن مواقعها توزعت بين الأقسام القديمة لمدينة فاس فواحدة منها بالعدوة، وأخرى بالدرب الطويل ، والثالثة في حي العيون .
وبمكناس دار الشيوخ وهي فندق الجزارين داخل الباب الجديد وفي نطاق الهبات العقارية ، سندكر أبي الحسن لأنه منح الأيتام من سائر القبائل ما يسع حرث زوجين من الأرض ، هذا إلى جانب دار الضيافة المعدة للغرباء بالمدينة ، يرجح انها تتواجد بدمنات وفي مدينة بولعون بدكالة ، وتتكون من عدة غرف على هيئة اصطبل عظيم يتم استضافة من يعبر هذه المدن على نفقة السكان ،" كان المغرب المريني يستعمل كلمة الزواية للدلالة على مؤسسات احسانية تشيد بأرباض المدن أو في الفلوات برسم استقبال الواردين عليها لايوائهم والقيام بضيافتهم ، وذلك ما يشرحه ابن مرزوق في هذه الفقرة " والظاهر أن الزوايا -عندنا بالمغرب- هي المواضيع المعدة لإرفاق الواردين ، واطعام المحتاجين من القاصدين"
• سقايات عمومية



تحتفظ السقايات المرينية بهندسة خاصة تميزها عن نظيراتها المرابطية والموحدية ، فتبنى في شكل صهاريج صغيرة نسبيا وقليلة العرض ، وتزين واجهتها بالفسيفساء الدقيقة فضلا عن زخرفتها، ولحسن الحظ حافظت بعض المدن على بقايا من هذه السقايات على سبيل التمثيل لا الحصر :
فاس عرفت سقاية ابن حيون تم سقاية العطارين جوار مستشفى فرج، وتتوجها كتابة تذكر الآمر بانشاها وغالبا ما نجد الإسم الغالب عبد الحق المريني آخر سلاطين بني مرين ، حيث كمل تشيدها وفجر ماؤها جمادى الأولى عام (840_ 1436) ثم تلاشت .

في العهد المريني استخدمت السقايات لاطفاء عطش الطيور ورغم أننا لا نتوفر عن معلومات دقيقة بهذا الصدد ، ولا يستبعد تخصيص بعض من سقايات للكلاب والقطط
• جرايات وهبات للفقراء
كان السابق لهذه المبادرة هو أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق ،فأجرى على الجذمى والفقراء مرتبات منتظمة عند كل شهر ، وجاء روض القرطاس عن أبي سعيد الأول " لم يزل من يوم ولايته إلى الآن( 726_1326 )يأمر بالجباب والأكسية في زمن الشتاء والقر للضعفاء والمساكن ، وأمر لمن مات من الغرباء ان يجهز ويكفن في الثياب الجديدة، ويقام بحق دفنهم أحسن قيام" ، وقد اهتم أبو الحسن بمرحلة الشيخوخة واعتنى بمن بلغ هذا السن من الضعفاء الملازمين للخير، فأجرى عليهم رواتب كافية ، هذا أن "جزي" يذكر اسعافات ابي عنان "اجراء الصدقات لمساكين بكل بلد من بلاد المغرب المريني ، وكسوة المساكين والضعفاء والمشايخ ، الملازمين للمساجد وتعين الأضاحي للمعوزين ، والتصدق يوم 27 من رمضان بما يجتمع من مجابي الابواب ، ويقول ابن مرزوق أبي الحسن " أنه أجرى لسائر الأيتام من القبائل ما تتمشى به أحوالهم، ويستعنون به عن الفقر والعالة ، فسوغ لهم محراث زوجين ، وفيه كفاية حتى بلغ حد الحق بمن عداه ، فلا يكاد يقع بصرك على يتيم في المغرب ، وإلاوهو مكفول "

• اعذار اليتامى
تابع المرينيون ختان اليتامى الأطفال في كل سنة ، وهي مبرة عرفت في العصر الموحدي ، أيام يعقوب المنصورحيث يسجل ابن عذاري أنه عمل لم يسبقه إليه أحد من المتقدمين ، والمعجب ذكر أنه كان يأخذ في الإستعداد لذلك أثناء دخول السنة الهجرية ، وفي العصر المريني استمر هذا التقليد ، واستقر بيوم عاشوراء ، وطهر فيه الأيتام وتم كسائهم والإحسان إليهم بالدراهم والطعام ، تم تابع هذا العمل السلطان أبو الحسن فيقول عن ابن مرزوق " ومن صدقاته الجارية وحسناته المستمرة التي سنها ، هو أنه في كل عاشوراء من سائر بلاده ، يجمع الأيتام الذين يفتقرون إلى الختان .. ويكسوه قميصا واحراما ويعطي عشرة دراهم وما يكتفي به من اللحم فيجتمع في كل عاشوراء من الأيتام - من سائرالبلاد- ما لا يحصى، ويعلق نفس المصدر إثر هذا : وهو عمل مستمر في بلاده، وسنة جارية قام بها الخلفاء من أولاده"

• قضاء الديون
لمعت هذه المبرة ، أيام أبي عنان واتخذ قرارا بالتزامه بالأداء من ماله الخاص، لديون العسكريين المسجونين، وكتب لجميع الأقاليم المرينية جمع من عليه دين من الديون ، فتؤدى عنه من بيت المال وهذا ما تؤكده حوالة تعود لأبي عنان المريني ،حسب الفقرة الثالثة " وصية قضاء ديون المساكين .
ومن بين هذه الحوالات :
- و صية الفقيه الشيخ عبد الملك بن حيون الأندلسي ، الثلثان للأسرى ، والثلث الباقي للمساكين وعند غلاء الأسعار يفرق ثلثا الأسرى على المساكين
- وصية السلطان أبي فارس عبد العزيز على الأسرى
- وصية على الأسرى مجهول صاحبها
- وصية مساجن سجن القلعة
- وصية الحكيم على المساكين
- وصية التازدغري على المساكين
- وصية البالوخي على المساكين

خاتمة :
الفترة المرينية تنقسم - بدورها- إلى ثلاث عصور ، فيبدأ الأول من مفتتح عام( 668هجرية -1269ميلادية) وهو التاريخ الذي استولى فيه أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق على مدينة مراكش ، تم يمتد هذا العصر الى وفاة أبي سعيد الأول (731- 1331) ،ومن هذا يبدأ العصر الثاني فيستوعب أيام أبي الحسن ، ثم أيام أبي عنان الذي كانت وفاته نهاية هذا العصر عام (759- 1350 )، وهو تاريخ بداية العصر الثالث إلى أن ينتهي بسقوط الدولة (869- 1465 ).
انطلاقا من العصر المريني الأول ، صار وعي المغاربة أكثر بمسؤوليتهم في كتابة تاريخ بلادهم ، فظهر أول مسلم مغربي ألف أخبارا عن الغرب الإسلامي من الفتح حتى أواسط القرن 7 وهو ابن عذاري ... الحياة الفكرية انعكست على قضايا التكافل الإجتماعي التي بلغت أوجها لتشمل حتى الحيوان، وهناك إشارات عن اسعافه ، ففي ترجمة محمد موسى الحلفاوي الإشبيلي نزيل فاس ، والمتوفى بها عام (758 -1357) ، أنه دفع به الرفق بالحيوانات المتخذة والأليفة إلى أن يعد دارا يجمعهم فيها ويسهر على اطعامهم بيده ، ويتحدث ابن السكاك عن جمع القطط شاهدهم مجتمعين على موزع ويعدل في القسمة بينهم ، وابن السكاك توفي سنة (818- 1418 )، وهو محمد بن محمد بن أبي غالب بن أحمد المكناسي ، فلا نستغرب استنباط ابن خلدون من التحليل بشكل متقن لمختلف مظاهر التغير التي تطرأ على العمران ، لقد كان داهية من خلال ملاحضاته وتحليلاته للمعارضات والتمزقات التي طبعت الحياة السياسية التي خاض غمارها ، وإذا كان من شأن نموذج العمران أن يتطور من حياة البداوة عند الرحل والرعاة إلى حياة الحضرعند سكان المدن والقرى .
=====================================
بعض المصادر والمراجع:
1: ذ.محمد بن أحمد بن شقرون"مظاهر الثقافة المغربية" دراسة في الأدب المغربي في العصر المريني ص16
توزيع دار الثقافة
2: عبدالرحمان ابن خلدون:"العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من دوي السلطان الأكبر"22
3: ابراهيم حركات"المغرب عبر التاريخ" صفحة 18 دار النشر الرشاد الحديثة الطبعة الأولى الدارالبيضاء
4:عبد الأحد السبتي وحليمة فرحات"المدينة في العصر الوسيط" صفحة 115 ،ط1 -1994 الناشر المركز الثقافي العربي
5: محمد المنوني "مذكرات من التراث المغربي "
6: محمد المنوني" مذكرت تراثية" صفحة 80




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
https://www.albahboha.com/news234.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.