آخر الأخبار :

الماء من خلال المصادر الجغرافية: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق نموذجا

تقديم:
يعتبر الماء الركيزة الأساسية لتشييد المدن واستقرار الساكنة واستمرار الحضارة، فلا مناص من القول بأن الماء هو العمود الفقري لاستمرار الحياة وتقدم البشرية في الكسب الحضاري. وتيمة الماء تمثل مجالا بحثيا جديدا، تفتح شهية الباحثين والدارسين من كافة التخصصات والمشارب للغوص في ثناياه، وتتقاطع مجموعة من العلوم وخاصة منها الاجتماعية في صلب هذا الموضوع ليفتح المجال أمام تصارع وتوافق العلوم الإنسانية حول علاقة الماء في ظهور الإنسان على المجال.
يمكن اعتبار المصادر الجغرافية موردا أساسيا للمؤرخ في بحثه عن الحقيقة، نظرا لما توفره من كم معلوماتي مهم و رصين. ومحاولة دراسة أحد أهم المصادر الجغرافية التي عرفها القرن السادس عشر والذي يعتبر ملاذا للوصول إلى معلومات مهمة في ما يخص موضوع الماء، وكذا مواضيع تاريخية متنوعة جاء في سياق صدر التاريخ الرحب لكل العلوم الموازية من أجل المعرفة الإنسانية.
ويمكن القول بأن الإنسان خلف تراثا مائيا متنوعا عبر العصور، وشيد معمارا زاخرا، ومن هنا سنتطرق لمصدر غطى في كنهه الفترة الوسيطية، وسنحاول الوقوف على أهم المنشآت المائية التي خلفها إنسان هذا العصر؟ وكيف خطط لتشييدها بطرق فنية ستترك الدارس يقف عند روعتها وقوة تنظيمها؟
إذن، فرغبتنا في دراسة موضوع المنشآت المائية في الفترة الوسيطية بصفة عامة، و كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق بصفة خاصة، لم يتولد من محض الصدفة، ولكن فرضته الضرورة العلمية لسبر أغوار العصر الوسيط والكشف عن ما تجود به المصادر الجغرافية من معلومات مهمة مفيدة من جهة، وفي التعرف على ما جادت به مخيلة الإنسان المغربي الوسيط من تصاميم معمارية وتقنيات تقليدية محكمة، كما أشارت الدكتورة عائشة كنتوري في الكتاب الحديث الإصدار"الماء بالمغرب الأقصى من خلال المصادر"، أن "الاهتمام بالماء شغل الإنسان المغربي من تدابير الاستنباط والتخزين سواء كان جوفيا أو سطحيا، والبحث عن أحسن الطرق لاستغلاله وتصريفه عن طريق ابتكار منشآت وتقنيات تستجيب لحاجياته"1 .
وللإجابة على الإشكالات المطروحة والانطلاق في هذه الدراسة المتواضعة، سنقسم العرض إلى التصميم الآتي:
محور أول سنخصصه للتعريف بالمؤلف والمصدر، ثم محور ثاني سنحاول أن نرصد من خلاله جل المصطلحات المائية أو المعجم المائي الوارد في المصدر، وأخيرا سنقوم في محور ثالث بإيراد المصادر المائية بالمجال المغربي مع رصد مجموعة من المنشآت المائية التي ثم التطرق إليها في متن هذا الكتاب، وتقسيمها إلى منشآت دينية، مدنية وعسكرية.

مقدمة الكتاب:
المصدر موضوع الدراسة هو كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للشريف الإدريسي، الذي انطلق من تقسيم عام لخريطة العالم إلى سبعة أقاليم، ولا يمكن المرور إلى مضمون الكتاب دون الإشارة إلى أهم المعطيات التي أوردها الشريف الإدريسي في مقدمة كتابه، فنلاحظ أنه من البداية أدرك الأهمية الكبيرة للماء فلا يكاد يتحدث عن مدينة من المدن أو إقليما من الأقاليم إلا و تحدث عن وجود الماء بها من عدمه.
ولقد استهل مقدمة كتابه ليصف لنا عظمة الخالق والخلق فقال:"...وسلطانه الهادي إلى سبيل عزه تفضلا وإرشادا والدال على ارتباط النعم به قولا واعتقادا، فأعلى عجائب مخلوقاته وبدائع مصنوعاته سبيلا إلى معرفته وسلما إلى علم قدرته وأزليته وإن في بعض ما خلق لعبرة لأولى الأبصار وذكرى لذوي الخواطر والأفكار..."2 ، و استمر في وصفه بقوله"...وستعلم بمجاريها تعاقب الدهور والأعصار فأما الأرض فبسط مهادها وأرسى أطوارها وأخرج منها ماءها ومرعاها وأسكنها خلقه فبوأها أملاكها وأجرى لهم أفلاكها وعرفهم مسالكها وعلمهم منافعها ومضارها وهداهم إلى السير برا وبحرا وسهلا ووعرا..." 3.
ولم يغفل الحديث عن شكل الكرة الأرضية من خلال كلام الفلاسفة وكذا ما استقاه من خلال رحلته المطولة،"...فتقول إن الذي تحصل في كلام الفلاسفة وجملة لعلماء وأهل النظر في علم الهيئة أن الأرض مدورة كتدوير الكرة والماء لاصق بها وراكد عليها ركودا طبيعيا لا يفارقها والأرض والماء مستقران في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة..." 4.
وفي سياق حديثه عن الأقاليم المكونة للكرة الأرضية "يسوق ما يخترقها من خلجان ووهاد متصلة وعيونا وأنهارا جارية وبركا راكدة..."5 ، ومن هنا سنحاول قدر الإمكان رصد أهم ما جاء في هذا الكتاب من معجم مائي مصطلحات مائية.

المحور الأول: التعريف بالمؤلف والمصدر:
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف:


يتصل نسب الجغرافي العظيم المعروف بالشريف الإدريسي، ببني حمود الأشراف الأدارسة الذين كونوا بعد انهيار الخلافة الأموية بالأندلس، إحدى ممالك الطوائف التي كانت قاعدتها مدينة مالقة الشهيرة، ومن المعروف أن أجداد الحموديين هؤلاء، كانت لهم دولة بالمغرب هي دولة الأدارسة التي أنشأها إدريس بن عبدالله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب على عهد هارون الرشيد واستمرت إلى عام (375 ه) 6.
فمن هذه الأسرة العلوية العريقة، ينحدر الشريف الإدريسي، وهو محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس بن يحيى بن على بن حمود بن الحسيني الملقب بالشريف الإدريسي، من أهل مدينة سبتة، وبها ولد سنة 493ه، إذ كان سلفه قد استقروا بها بعد انقراض ممالك الطوائف بالأندلس، إلى نبوغه المبكر، فإنه نشئ تنشئة رفيعة، وتلقى دراسته الأولى بمدينة سبتة، إذ لم تبرح مركزا علميا هاما لوقوعها على الطريق بين المغرب والأندلس، فهي محط الصادر والوارد من البلدان، وهكذا نجده يشد الرحلة للسياحة وطلب العلم، وهو دون العشرين من عمره، فيزور بلاد الأندلس وإفريقيا الشمالية، ومصر والشام، ويتجول في آسيا الصغرى وقد كان فيها خلال سنة 510ه، كما خبر بذلك في كتابه. ويقول في أحد أشعاره:
ليـــت شعري أيــن قبري ضـــاع في الغربة عمــري
لــــم ادع للـــعين مـــا تــــشــتـــــــاق في بــــــر وبحــــــر .7
 حياته العلمية:
مما لا ريب فيه أن رحلته الطويلة قد أفادته كثيرا وزادته علما إلى العلم الذي حصله في بلاده، لاسيما فيما ظهر فيه نبوغه من علم الجغرافيا وعلم النبات، بل تميزه فيهما حتى أصبح من أعلامهما المشاهير. وبهذا يكون قد شارك في العلوم الأدبية والمظرية المنتشرة في عصره فإن حياته العلمية إنما تتميز بعلو كعبه في علم الجغرافيا وعلم الطب والنبات، وهي من غير شك الغرائب التي أتى به فكره .8

 وفاته:
تنتهي حياة الشريف الإدريسي في سنة 560 ه، ببلدة سبتة على ما يرجح، لأن أحوال صقلية اضطربت بعد وفاة صديقه روجار، ناهيك بالفتنة التي نشبت بها سنة 555ه، وسطى فيها الثوار على الخريطة التي أفنى زهرة عمره في صنعها، واقتسموها فيما بينهم .9

المبحث الثاني: التعريف بالمصدر:



كتاب"نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، في مجلدين من الحجم الكبير، وهو أعظم عمل قام به في حياته وخلد به على الزمان، وقد أنجزه في صقلية تلبية لطلب صاحبها روجار، حيث عرض عليه رغبته في أن يؤلف له كتابا يصف مملكته وعمرانها ويذكر مسالكها وحدودها كما يذكر موقعها من بقية الممالك مع وصف هذه الممالك أيضا وذكر ما يتعلق بها من ذلك على وجه التحقيق، وتجنب المزاعم الباطلة والخرافات والأوهام، فإنه لم يجد ما يشفي غليله من ذلك لدى كتب المؤلفين في تقويم البلدان، ولا من يجيب على أسئلته في هذا الصدد من العلماء المتواجدين في بلاطه .10
ولقد جاء هذا الكتاب بمثابة تفسير وشرح لما جاء به في خريطة العالم التي وضعها سنة 548ه، بعدما صرف في إعدادها نحو 15 عاما.
لم يكن كتاب نزهة المشتاق هو الوحيد الذي ألفه الشريف الإدريسي، فهناك كتاب آخر جاء تحت عنوان:"روض الآس ونزهة الأنفس"، ولقد كان قد ألف هذا الكتاب لغليوم الذي خلف أباه روجار على الملك في مملكة صقلية، ولكن هذا الكيات ضاع ولم يصلنا منه إلا بعض المنقول من تاريخ أبي الفداء .11

المحور الثاني: رصد أهم المصطلحات المرتبطة بالماء:
المبحث الأول: المصطلحات الواردة في المصدر بصفة عامة:




من خلال هذا المبحث، حاولنا تتبع جل المعجم المائي الوارد في الكتاب بصفة عامة، ورصدنا أهم المصطلحات المتعلقة بالماء باختلافها. فانطلقنا من مصطلح "الماء"، ثم أشكاله سواء كان سطحيا، بحارا و أنهارا ووديانا و جنادل وبرك، أو جوفيا، آبارا وعيونا وكذلك مجموعة من المصطلحات التي ورد ذكرها بشكل متناثر هنا وهناك كمصطلح "الخطارة".
إثر هذا التتبع وضعنا مبيانا يضم أهم هذه المصطلحات، حيث اقتصرنا على الأكثر تداولا على الشكل الآتي:

لقد طغى على المصدر معجم مائي متنوع كالبحار والأنهار، نظرا للنهج الذي اتخذه الإدريسي في كتابه، وهو الوصف الدقيق للأقاليم السبعة التي قسم إليها العالم، وكثر مصطلح البحر لغلبة المسطحات المائية والواجهات البحرية، وكذلك تغطية الأنهار لربوع هده الأقاليم بداية بالأنهار الكبرى تم الصغرى والروافد، وتكررت بأشكال أخرى كلمة الماء، لتغطي 29% من مجمل ما جاء في الكتاب من معجم مائي.

المبحث الثاني: المصطلحات الخاصة بالمجال المغربي:



فيما يخص هذا المبحث، فلقد رصدنا أهم المصطلحات الواردة في الجزء الخاص بالمجال المغربي، لتبيان حجم الموارد المائية الذي تعرفه هذه المنطقة مقارنة مع باقي المناطق. ما يبين أن المغرب الأقصى اعتبر خزانا مهما من الموارد المائية، فتنوع بذلك المعجم المائي حسب خصوصيات المنطقة.

بحكم الخصائص الجغرافية لمنطقة شمال إفريقيا بصفة عامة، والمغرب الأقصى بصفة خاصة، المعروفة بشبكة نهرية متنوعة ومهمة، جاء الكتاب غني بمعجم مائي متعلق بالأنهار وروافدها، وسيأتي في المحور الثاني ذكر أهم الأنهار التي تم ذكرها مع ارتباطها بحرف أو مهن مائية متنوعة

المحور الثالث: الماء والمنشآت المعمارية :
المبحث الأول: أهم مصادر الماء في المغرب:



الأنهار:
تعتير الأنهار والأودية من أهم المصادر المائية السطحية في المغرب، و يمكن رصد أهم الأنهار التي ثم ذكرها في المصدر كالآتي:
وادي أم الربيع: "واد كبير خرار يجاز بالمراكب سريع الجري كثير الانحدار كثير الصخور والجنادل..." 12.
وادي ايناون:"...وهي قرية وعمارات على نهر لها يأتيها من جهة الجنوب يقال له وادي ايناون، وهو واد عليه حرث يسقى به و به أغنام وأبقار و زروع كثيرة..." 13
نهر سبو: "...وهو نهر عظيم يأتي من نواحي جبل القلعة لابن توالة، و يمر حتى يحاذي فاس من جهة شرقيها وعلى ستة أميال منها، وهناك يقع نهر ع ما اجتمع معه من سائر العيون والأنهار الصغار وعليه قرى وعمارات،..." 14.
نهر أولكس: "...نهر كبير من أنهار المغرب المشهورة وتمده أنهار كثيرة وعيون نابعة وعليه عمارات وقرى وديار..." 15.
نهر تانسيفت: "...وعلى ثلاثة أميال من مراكش نهر يسمى تانسيفت وليس بالكبير لكنه دائم الجري، وإذا كان زمن الشتاء حمل بسيل كبير لا يبقى ولا يذر..."16 .
وادي ملوية: "...يقع على إلى صاع فيجتمعان معا ويصبان في البحر ما بين جراوة ابن قيس ومليلية..." 17.
نهر سجلماسة: "...متصلة على نهر لها كثير الماء يأتي إليها من جهة المشرق من الصحراء، يزيد في الصيف كزيادة النيل سواء ويزرع بمائة حسبما يزرع فلاحو مصر ولزراعته إصابة كثيرة معلومة وفي أكثر الأعوام الكثيرة المياه المتواترة عن خروج هذا النهر ينبت لهم ما حصدوه في العام السابق من غير بذر، وفي السنتين إدا فاض الهر عندهم تم رجع بذورا على تلك الأرضين زرعهم ثم حصدوه عند تناهيه وتركوا بذوره إلى العام القادم فينبت ذلك من غير حاجة إلى بذر زراعة..." 18.

العيون:
شكلت العيون منذ القديم موردا أساسيا للإنسان، وخاصة منها الموارد الباطنية، فالعيون تعتبر نوات سيلان الأنهار والوديان، ونقطة تجمع السكان ومنها تشق السواقي والترع للزراعة ولكافة الحاجيات اليومية، ولقد أورد الشريف الإدريسي في مجمل حديثه عن المدن والمواقع المغربية مجموعة من العيون كالآتي:
عيون مدينة مراكش: حيث يقول الشريف الإدريسي:"...وشرب أهل مراكش من الآبار ومياهها عذبة قريبة معينة، وكان علي بن يوسف قد جلب إلى مراكش ماء من عين بينها وبين المدينة أميال..." .
عيون مدينة فاس:"...ومدينة فاس مدينتان بينهما نهر كبير يأتي من عيون تسمى عيون صنهاجة...و بها في كل مكان منها عيون نابعة ومياه جارية وعليها قباب مبنية و دواميس معنية و لقوش وضروب من الزينة ويخارجها الماء مطرود نابع من عيون غزيرة وجهاتها مخضرة مؤنقة وسياستها عامرة وحدائقها ملتفة، وفي أهلها عزة ومنعة..." 20.
الآبار:
سعى الإنسان عند الجفاف أو الشح وقلة الأمطار وخاصة في المناطق الجافة إلى البحث عن الماء، وطور تقنيات البحث وكذا التنقيب، فحفر الآبار و استغلها لتوفير حاجياته الضرورية، وفي هذا الصدد جاءت في هذا المصدر مجموعة من الإشارات عن الآبار في سياق حديثة عن المدن ودواعي الاستقرار وسنوردها كالآتي:
آبار مدينة مراكش: ثم ذكر مجموعة من الآبار حسب المناطق التي غطتها، وخاصة في المناطق الجافة والشبه الجافة ولكن سنقوم بذكر أبار مدينة مراكش حيث يقول"...ويشرب أهل مراكش من الآبار ومياهها عذبة وأبارهم قريبة معينة،..."21 .

المبحث الثاني: المنشآت المائية:
المنشآت المدنية:


الأرحية المائية: قبل رصد أهم الإشارات التي وردة في المصدر موضوع الدراسة وجب أولا تعريف الأرحية المائية، فهي تقنية ابتكرها الإنسان، تعمل بتوظيف الطاقة المائية، وذلك مع توفر مجموعة من الشروط الطبيعية والحيل الهندسية لإقامتها على ضفاف الأنهار والسواقي المحملة بالمياه، وهي شكل أو مظهر من مظاهر أنظمة السقي وجزءا من التقنية الهيدرولية التي سادت بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط 22، ويقول عنها الحسن الوزان أنها: " أبنية مشتملة على أرحاء، تتكون كل طاحونة من قاعة كبيرة ذات أعمدة تضم أربعة أو ست أو خمس أرحاء"23 . ولقد انتشرت بشكل كبير في الفترة الوسيطية، فجل الإشارات التي استقيناها من كتاب الشريف الإدريسي تتحدث عن هذه التقنية الاجتماعية والاقتصادية بامتياز.
أما اهتمام المصادر بالأرحاء المائية وتتبعها في مختلف جهات المغرب فيمكن اعتباره مؤشرا نستخلص منه استنتاجات متعددة:
1. انتشار الوعي باستخدام الطاقة المائية في تحريك الأرحاء في الأماكن التي تتوفر فيها المياه الجارية.
2. كثرة الأرحاء المشار إليها في المصادر تعني فيما تعنيه كثرة استهلاك السكان للحبوب، وفي دلك إشارة إلى تطور المجتمع المغربي الذي أصبح اعتماده على دقيق القمح والشعير في غدائه يتزايد.
3. كثرة الأرحاء تعني من جهة أخرى كثرة الجداول والسواقي والمساقط المائية أي شبكة مائية سطحية كثيفة، ناتجة عن مناخ رطب (التساقطات الثلجية والمطرية منتظمة) 24.
ففي سياق الحديث عن المدن أو الأنهار المخترقة للمجال المغربي، تأتي إشارات هنا وهناك عن الأرحية المائية، وسنقتصر هنا على ذكر المدن التي ارتبطت بشكل كبير بهذه المنشأة المائية:

• أغمات أوريكة:"...وعليه أرحاؤهم يطحنون بها الحنطة..."25
• فاس:"...ومدينة فاس مدينتان بينهما نهر كبير يأتي من عيون تسمى عيون صنهاجة، وعليه من داخل المدينة أرحاء كثيرة تطحن بها الحنطة بلا ثمن..." 26.
• مكناس:"...وهي مدينة حسنة مرتفعة على الأرض، يجري في شرقيها نهر صغير عليه أرحاء، وتتصل بها عمارات وجنات و زروع وأرضها طيبة للزراعات..." 27.
لقد أعجب المؤرخون وكتاب الحوليات في العصر الوسيط خاصة بكثرة الأرحاء المائية في المغرب المنتشرة في كل أرجائه في مدينة وقراه وبواديه، وتتبع بعضهم وجودها وقدم إحصائيات حولها، والأرحاء المائية مثلها مثل الأرحاء التي وصفناها إلا أنها تختلف من حيث الحجم والطاقة المحركة لها، ومن هنا جاء اهتمام المصادر بها. لأن استعمال الطاقة المائية في تحريك الأرحاء يعتر ثورة في الميدان وهده الثورة تأثر فيها المغرب ولا شك بالحضارات التي سبق أن استغلت المياه بشكل مماثل .28
المنشآت الدينية:
المساجد: تدخل المساجد في خانة المنشآت الدينية المرتبطة بشكل كبير بالماء، فالطهارة ركن من أركان الإسلام، ولا طهارة بدون تواجد الماء. ومن هنا فتزويد المساجد بالماء ارتبط بتقنيات متنوعة، من جلب و تصريف، كالسواقي والقواديس، وهنا نورد مثالا للمساجد ثم ذكره من طرف الوزان في كتاب وصف إفريقيا حيث قال:"...وبعد دخول الماء إلى المدينة يوزع بواسطة عدد من القنوات تسوق معظمها لدور السكان ورجال الحاشية الملكية وسائر الأبنية الأخرى، فلكل مسجد حقه في هذا الماء..." 29.
الميضآت: تعرف الميضأة بالمطهرة التي يتوضأ فيها الإنسان، فهي المكان المخصص للوضوء. وتلحق غالبا بالمساجد، وكانت في بادئ الأمر على شكل حوض كبير وسط الصحن يتم ربطه بمصادر الماء .30

المنشآت العسكرية:
الحصون:
وردت إشارة وحيدة عن الحصون وهي: حصن تابرندا:"...حصن منيع على أكمله مطلة على وادي ملوية..."31

القناطر: تعتبر القناطر من المنشآت المرتبطة بالسلطة، لعدة أسباب من بينها:
 كان هدفها فك العزلة بين مناطق وأخرى، وذلك عند الحرب أو لأسباب أمنية، وهنا يمكن أن نستشهد بمعركة وادي المخازن التي وقعت على ضفاف نهر اللوكوس، وكان هدم القنطرة سببا من الأسباب التي ساهمت في انتصار الجيش السعدي في هذه المعركة الخالدة.
 كانت وسيلة لجمع الضرائب من طرف السلطة المركزية من الساكنة.
وأهم إشارة تطرق لها الشريف الإدريسي، هي قنطرة واد تانسيفت:"...وكان أمير المسلمين بنى على هذا النهر قنطرة عجيبة البناء متقنة الصنع، بعد أن جلب إلى عملها صناع الأندلس وجملا من أهل المعرفة والبناء فشيدوها وأتقنوا بنيانها حتى كملت..." 32
_______________________________
ّ*عرض من إنجاز الطالبان الباحثان: عبدالله امجهادي وعزيز فردان
الهوامش:
1- - كنتوري عائشة:"الماء بالمغرب الأقصى من خلال المصادر"، المطبعة والوراقة الوطنية، ط 1،مراكش 2016، ص:12.
2 - الشريف الإدريسي:"نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"،المجلد الأول، نشر مكتبة الثقافة الدينية، ص:6.
3 - نفسه، ص:6.
4 -نفسه، ص:7.
5 -نفسه، ص:9.
6 - كنون عبدالله:"مجلة المناهل"، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية، العدد الأول، الرباطـ،1974م/1394،ص:13.
7 -نفسه، ص:14.
8 - نفسه، ص:15.
9 - كنون عبدالله، م س، ص:22.
10 - نفسه،ص:247.
11 - نفسه،ص:246.
12 - الشريف الإدريسي: م س، ص:237.
13 - نفسه، ص:247.
14 - نفسه،ص:247.
15 - نفسه،ص:246.
16 - نفسه،ص:235.
17 - نفسه، ص:247.
18 -الشريف الإدريسي: م س، ص:226.
19 - نفسه، ص:135.
20 -نفسه، ص:242،243.
21 -نفسه، ص:134,
22 - الحناوي محمد: الأرحاء المائية بالمغرب والأندلس من خلال كتب الجغرافية والنوازل والحسبة، ضمن أعمال ندوة، الماء بتانسيفت: تاريخ وتقنيات، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، الطبعة 1، 2002، ص: 95.
23 - الحسن الوزان:وصف أفريقيا،ترجمة حجي محمد والأخضر محمد،دار الغرب الإسلامي،الجزء الأول،بدون تاريخ،الطبعة الثانية،ص: 184.
24 - محمد حجاج الطويل: معلمة المغرب، الجزء 13، ط2001، ص:4283.
25 -الشريف الإدريسي، م س، ج 1،ص:231.
26 -نفسه، ج 1،242.
27 -نفسه، ج 1،244.
28 محمد حجاج الطويل: معلمة المغرب، الجزء 13، ط2001، ص:4283.
29 - الحسن الوزان: م س، ص:221.
30 - طه ليولي:"المساجد في الإسلام"، ص: 274.
31 - الشريف الإدريسي: م س ، ج 1، 147.
32 -نفسه، ج 1، ص:135.
+++++++++++++++++++++++
 الحسن الوزان:وصف أفريقيا،ترجمة حجي محمد والأخضر محمد،دار الغرب الإسلامي،الجزء الأول،بدون تاريخ،الطبعة الثانية.
 الشريف الإدريسي:"نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"،المجلد الأول، نشر مكتبة الثقافة الدينية.
 الحناوي محمد: الأرحاء المائية بالمغرب والأندلس من خلال كتب الجغرافية والنوازل والحسبة، ضمن أعمال ندوة، الماء بتانسيفت: تاريخ وتقنيات، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، الطبعة 1، 2002.
 كنتوري عائشة:"الماء بالمغرب الأقصى من خلال المصادر"، المطبعة والوراقة الوطنية، ط 1،مراكش 2016.
 كنون عبدالله:"المناهل"، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية، العدد الأول، الرباطـ،1974م/1394.
 محمد حجاج الطويل: معلمة المغرب، الجزء 13، ط2001، ص:4283.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
https://www.albahboha.com/news223.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.